الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

335

تفسير روح البيان

بمكة عارض أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ خبر للأشياء المعدودة اى هذه الأشياء الأربعة أكبر اثما وعقوبة من قتل المسلمين ابن الحضرمي في الشهر الحرام لان القتال يحل بحال والكفر لا يحل بحال ولأنهم كانوا متأولين في القتال لأنهم شكوا في اليوم ولا تأويل للكفار في الكفر وَالْفِتْنَةُ اى ما ارتكبوه من الإخراج والشرك وصد الناس عن الإسلام ابتداء وبقاء أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ اى أفظع من قتل الحضرمي في الشهر إحرام فلما نزلت هذه الآية كتب عبد اللّه بن أنيس إلى مؤمني مكة إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم أنتم بالكفر وإخراج رسول اللّه من مكة ومنعهم المسلمين عن البيت وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ بيان لاستحكام عداوتهم وإصرارهم على الفتنة في الدين اى لا يزال الكفار عن قتالكم أيها المؤمنون حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ اى كي يصرفوكم عن دينكم الحق إلى دينهم الباطل إِنِ اسْتَطاعُوا إشارة إلى تصلبهم في الدين وثبات قدمهم فيه كأنه قيل وأتى لهم ذلك وهو كقول الرجل لعدوه ان ظفرت بي فلا تبق على ولا ترحمني وهو واثق بأنه لا يظفر به وهو تطييب لقلوب المؤمنين وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ اظهار التضعيف لسكون الدال الثانية وبالفتح والإدغام على التحريك لالتقاء الساكنين بأخف الحركات والارتداد النكوص وهو تحذير من الارتداد اى من يفعل ذلك باضلالهم واغوائهم فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ بان لم يرجع إلى الإسلام . وفيه ترغيب في الرجوع إلى الإسلام بعد الارتداد إلى حين الموت فَأُولئِكَ المصرون على الارتداد إلى حين الموت حَبِطَتْ بطلت وتلاشت أَعْمالُهُمْ التي كانوا عملوها في حالة الإسلام حبوطا لا تلافى له قطعا فِي الدُّنْيا وهو قطع حياته وقتله عند الظفر به لارتداده وفوات موالاة المسلمين ونصرهم والثناء الحسن وزوال النكاح وحرمانه من مواريث المسلمين ونحو ذلك مما يجرى على نفس المرتد وأهله وماله وَالْآخِرَةِ وهو الثواب وحسن المآب لان عبادتهم لم تصح في الدنيا فلم يجازوا عليها في الآخرة وليس المراد من احباط العمل ابطال نفس العمل لان الأعمال اعراض كما توجد تفنى وتزول واعدام المعدوم محال بل المراد به ما ذكر من أن الردة الحادثة تزيل ثواب الايمان السابق وثواب ما سبق من ثمراته . وظاهر الآية يقتضى أن تكون الوفاة على الردة شرطا لثبوت الأحكام المذكورة وهي حبوط الأعمال في الدنيا والآخرة وكون صاحبها من أصحاب النار خالدا فيها وان لا يثبت شئ من هذه الأحكام ان اسلم المرتد بعد ردته ولهذا احتج الشافعي بهذه الآية على أن الردة لا تحبط الأعمال حتى يموت صاحبها عليها وعند أبى حنيفة رحمه اللّه ان الردة تحبط الأعمال مطلقا اى وان رجع مسلما تمسكا . بعموم قوله تعالى وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ وقوله وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ويتفرع عليه مسألتان . الأولى ان جماعة من المتكلمين قالوا شرط صحة الايمان والكفر حصول الوفاة عليهما فلا يكون الايمان ايمانا الا إذا مات المؤمن عليه وأيضا لا يكون الكفر كفرا الا إذا مات الكافر عليه والمسألة الثانية ان المسلم إذا صلى ثم ارتد والعياذ باللّه ثم اسلم في الوقت قال الشافعي لا إعادة عليه . وقال أبو حنيفة يلزمه قضاء ما أدى وكذا الكلام في الحج وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ